حبيب الله الهاشمي الخوئي
335
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأمّا ذمّهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمّهم شيئا فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على اللَّه قلبه ، فانّ العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقلّ نفعه ، ويكفيه أنّ النّاس لو علموا ما في بطنه من قصد الرّياء وإظهار الاخلاص لمقتوه ، وسيكشف اللَّه عن سرّه حتّى يبغضه إلى النّاس ويعرّفهم أنّه مراء وممقوت عند اللَّه ولو اخلص للَّه لكشف اللَّه لهم إخلاصه وحبّبه إليهم وسخّرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثّناء عليه . أقول وهو كما روي انّ رجلا من بني إسرائيل قال : لأعبدن اللَّه تعالى عبادة اذكر بها فمكث مدّة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمرّ بملاء من النّاس إلَّا قالوا متصنّع مراء ، فأقبل على نفسه وقد قال : اتعبت نفسك وضيّعت عمرك في لا شيء فينبغي أن تعمل للَّه سبحانه فغير نيّته وأخلص عمله للَّه تعالى ، فجعل لا يمرّ بملاء من النّاس إلَّا قالوا ورع تقيّ هذا . مع أنّ مدح النّاس لا ينفعه وهو عند اللَّه مذموم ومن أهل النّار ، وذمّ النّاس لا يضرّه وهو عند اللَّه محمود ومن أهل الجنّة فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبّد والمنازل الرّفيعة عند اللَّه استحقر ما يتعلَّق بالخلق أيّام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنقصات وكيف يرضى العاقل أن يجعل ثمن عمله مدح النّاس له وما في أيديهم من حطام الدّنيا وزخارفها مع أنّها على تقدير النّيل إليها ثمن بخس ورضا اللَّه سبحانه هو الجزاء الأوفى . فلو قيل لك : إنّ ههنا رجلا معه جوهر نفيس يساوي مأئة ألف دينار وهو محتاج إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلا وإلى أضعافه ثمنا فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه مع حاجته إلى الاضعاف فأبى بيعه بذلك وباعه بفلس واحد ألست تحكم بسفاهة ذلك البايع ونقصان عقله فحال المرائي بعينه مثل حال هذا البايع ، فإنّ ما يناله العبد بعمله من حطام الدّنيا ومدح النّاس له بالإضافة إلى ثواب الآخرة ومرضات اللَّه سبحانه اقلّ من فلس في جنب ألف ألف دينار بل أقلّ من نسبته إلى الدّنيا وما فيها هذا كلَّه هو الدّواء العلمي